عبد الكريم الخطيب

1054

التفسير القرآنى للقرآن

في الإنسان . . وحين يسكت النبض تتوقف الحياة ، ويغيض مجراها ، وتجفّ ينابيعها . . وإذ كان القلب بهذه المثابة ، فإنه هو صاحب الشأن الأول في الإنسان ، بحكم آثاره الظاهرة فيه . . إنه يعمل دائما في حال اليقظة والنوم . وأما العقل ، وإن عرفت آثاره ، فإنه لا يعرف سرّه ، ولو عرف سرّه ، فإنه لا يخرج عن أن يكون ربيب القلب ، وغذى ماء الحياة الذي يمدّه به ، أيّا كان موضعه في كيان الإنسان ، وأيّا كان مستقرّه . فإذا أضاف القرآن الكريم إلى القلب ، علما ، ومعرفة ، وحكمة ، وإيمانا ، فإنّما ذلك لأنه سلطان الجسد كلّه ، وإلى صلاحه أو فساده يعود صلاح أعضاء الإنسان وفسادها ، وسلامة حواسه أو اعتلالها . . وليس العقل إلا حاسّة خفية - من حواس الإنسان ، ترتبط سلامته بسلامة الجسد ، كما ترتبط سلامة الجسد بسلامة القلب ، وفي المثل : « العقل السليم في الجسم السليم » . . وقد كشف عن هذا الرسول الكريم في قوله : « ألا وإن في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ، ألا وهي القلب » . وعلى هذا يمكن أن نفهم قوله تعالى : « فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها » ( 46 : الحج ) لا على أن القلب هو مصدر الإدراك المباشر ، وإنما هو مصدر للعقل الذي يعقل ويدرك . . فلو كان القلب سليما معافى من العلل لسلم العقل ، ثم لكان إدراكه للأمور سليما ، وتقديره لها صحيحا . . وهذا أبلغ في الكشف عن داء الغفلة المستولى على القوم ، وأنه داء ينبع من المنبع الأصلي ، وهو القلب ، وليس داء عارضا أصاب حاسة من الحواس . . إنه داء يسرى في الجسد كله . وسواء إذا كان القلب هو موطن المشاعر والمدركات ، أم كان عضوا